عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
272
اللباب في علوم الكتاب
قال الواحدي « 1 » : الاقتداء في اللغة : الإتيان بمثل فعل الأول لأجل أنه فعله و « بهداهم » متعلق ب « اقتده » . وجعل الزمخشري تقديمه مفيدا للاختصاص على قاعدته . فصل فيما يقتدى بهم فيه هذا خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم واختلفوا في الشيء الذي أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاقتداء بهم فيه . فقيل : المراد أن يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه ، وهو التوحيد والتّنزيه عن كلّ ما لا يليق بالباري سبحانه وتعالى في الذّات والصّفات والأفعال . وقيل : المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصّه الدليل على هذا ، فالآية دليل على أن شرع من قبلنا « 2 » يلزمنا وقيل : المراد به إقامة الدلالة على إبطال الشّرك ، وإقامة التوحيد ؛ لأنه ختم الآية بقوله : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 88 ] ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله : فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ثم قال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ أي : اقتد بهم في نفي الشرك ، وإثبات التوحيد ، وتحمّل سفاهات الجهّال . وقال آخرون : اللفظ مطلق فيحمل على الكل إلّا ما خصّه الدّليل المنفصل . قال القاضي « 3 » يبعد حمل هذه الآية على أمر الرّسول بمتابعة الأنبياء المتقدّمين في شرائعهم لوجوه : أحدها : أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصحّ مع تناقضها أن يكون مأمورا بالاقتداء بهم في تلك الأحكام « 4 » المتناقضة . وثانيها : أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل ، وإذا ثبت هذا ، فنقول : دليل ثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات فقط ، فكيف يستدلّ بذلك على اتّباعهم في شرائعهم في كل الأوقات . وثالثها : أن كونه - عليه الصّلاة والسّلام - متّبعا لهم في شرائعهم يوجب أن يكون منصبه أقلّ من منصبهم ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم . والجواب عن الأول ، أن قوله : « فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ » يتناول الكل فأما ما ذكرتم من كون بعض تلك الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم ، فنقول : العام يجب تخصيصه في هذه الصّورة ، ويبقى فيما عداها حجّة .
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 58 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط للزركشي 6 / 39 ، التمهيد للإسنوي 441 ، المنخول للغزالي 231 ، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني 369 ، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 5 / 149 ، إرشاد الفحول للشوكاني 239 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 57 . ( 4 ) في أ : الأحوال .